الغزالي

207

إحياء علوم الدين

فهل يخلد في النار ؟ فان قال نعم فهو مراد المعتزلة ، وإن قال لا فهو تصريح بأن العمل ليس ركنا من نفس الايمان ولا شرطا في وجوده ولا في استحقاق الجنة به ، وإن قال : أردت به أن يعيش مدة طويلة ولا يصلَّى ولا يقدم على شيء من الأعمال الشرعية ، فنقول : فما ضبط تلك المدة ؟ وما عدد تلك الطاعات التي بتركها يبطل الايمان ؟ وما عدد الكبائر التي بارتكابها يبطل الايمان ؟ وهذا لا يمكن التحكم بتقديره ولم يصر إليه صائر أصلا الدرجة الرابعة : أن يوجد التصديق بالقلب قبل أن ينطق باللسان أو يشتغل بالأعمال ومات ، فهل نقول : مات مؤمنا بينه وبين الله تعالى ؟ وهذا مما اختلف فيه . ومن شرط القول لتمام الإيمان يقول هذا مات قبل الايمان وهو فاسد ، إذ قال صلَّى الله عليه وسلم : « يخرج من النّار من كان في قلبه مثقال ذرّة من الإيمان » . وهذا قلبه طافح بالايمان ، فكيف يخلد في النار ولم يشترط في حديث جبريل عليه السلام للإيمان إلا التصديق با لله تعالى وملائكته وكتبه واليوم الآخر ، كما سبق الدرجة الخامسة : أن يصدّق بالقلب ويساعده من العمر مهلة النطق بكلمتي الشهادة وعلم وجوبها ولكنه لم ينطق بها ، فيحتمل أن يجعل امتناعه عن النطق كامتناعه عن الصلاة ونقول : هو مؤمن غير مخلد في النار ، والايمان هو التصديق المحض ، واللسان ترجمان الايمان فلا بد أن يكون الايمان موجودا بتمامه قبل اللسان حتى يترجمه اللسان ، وهذا هو الأظهر ، إذ لا مستند إلا اتباع موجب الألفاظ ووضع اللسان أن الايمان هو عبارة عن التصديق بالقلب . وقد قال صلَّى الله عليه وسلم : « يخرج من النّار من كان في قلبه مثقال ذرّة » ولا ينعدم الايمان من القلب بالسكوت عن النطق الواجب ، كما لا ينعدم بالسكوت عن الفعل الواجب . وقال قائلون : القول ركن إذ ليس كلمتا الشهادة إخبارا عن القلب بل هو إنشاء عقد آخر وابتداء شهادة والتزام ، والأول أظهر وقد غلا في هذا طائفة المرجئة فقالوا : هذا لا يدخل النار أصلا ، وقالوا : إن المؤمن وإن عصى فلا يدخل النار . وسنبطل ذلك عليهم الدرجة السادسة : أن يقول بلسانه : لا اله إلا الله محمد رسول الله ، ولكن لم يصدق بقلبه . فلا نشك في أن هذا في حكم الآخرة من الكفار ، وأنه مخلد في النار . ولا نشك في أنه في